صديق الحسيني القنوجي البخاري

85

فتح البيان في مقاصد القرآن

ووجودها على المؤمنين لا قصر جوازها ولياقتها ، أي إنما يصح ويستقيم أن يعمرها عمارة يعتد بها . مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وحده وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بما فيه من البعث والحساب والجزاء حسبما نطق به الوحي وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ على ما علم من الدين فيندرج فيه الإيمان بنبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم حتما ، وقيل هو مندرج تحت الإيمان باللّه خاصة فإن أحد جزأي كلمتي الشهادة علم للكل . وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » ، قال اللّه تعالى : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ « 1 » أخرجه أحمد والدارقطني والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي وعبد بن حميد . وعن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من بنى للّه مسجدا صغيرا كان أو كبيرا بنى اللّه له بيتا في الجنة » أخرجه الترمذي « 2 » . وعن عثمان بن عفان قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من بنى مسجدا يبتغي به وجه اللّه بنى اللّه له بيتا في الجنة » « 3 » وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد وعمارتها والتردد إليها للطاعات . وَلَمْ يَخْشَ أحدا إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فيه حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم . فإن الموصوفين بتلك الصفات الأربع إذا كان اهتداؤهم مرجوا فقط ، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات ، وقيل عسى من اللّه واجبة . وقال ابن عباس : كل عسى في القرآن فهي واجبة ، كقوله لنبيه صلى اللّه عليه وسلم عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] وهي الشفاعة . وقيل هي بمعنى خليق ، أي خليق أن يكونوا من المهتدين ، وقيل إن الرجاء راجع إلى العباد . قال ابن عباس : يقول من وحد اللّه وآمن بما أنزل اللّه وأقام الصلوات الخمس ولم يتعبد إلا اللّه فهو من المهتدين ، فمن كان جامعا بين هذه الأوصاف فهو الحقيق بعمارة المساجد لا من كان خاليا منها أو من بعضها .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 9 ، باب 8 ، وابن ماجة في المساجد باب 19 ، والدارمي في الصلاة باب 23 ، وأحمد في المسند 3 / 68 ، 76 . ( 2 ) كتاب المواقيت باب 120 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 65 ، ومسلم في المساجد حديث 24 .